حسن الأمين

92

مستدركات أعيان الشيعة

طهران وذلك بتحريض من بعض زوجاته المتعاطفات مع السيد فعاد السيد إلى طهران وزاول نشاطه حيث كان يرتقي المنبر ويلقي خطبه الدينية والسياسية على الناس في مساجد طهران وكانت الجماهير تحب خطاباته . وحينما بدأ الحاكم بالعودة إلى أعماله الظالمة بحق التجار وأهالي العاصمة ونفى بعض رؤوس الأحرار الذين كان يسميهم المشاغبين إلى مدن بعيدة ، حاول جنود الحاكم اعتقال أحد رجال الدين فحصلت معركة بين الجنود والمدافعين عن الشيخ فقتل في المعركة السيد عبد الحميد وأحد الجنود فهاجت الناس وعطلت الأسواق واجتمعوا في المسجد الجامع بطهران وخطب فيهم السيد عبد الله الطباطبائي وقرر العلماء الهجرة من طهران إلى مدينة قم للاعتراض على أعمال الحاكم ، كما التجأ جماعة من الناس إلى السفارة البريطانية ، وحينما ارتفعت الأصوات اضطر الملك مظفر الدين شاه القاجاري أن يعزل الحاكم ووعد الشعب بإعطائه الحرية والمجلس النيابي ففرح الناس وعاد العلماء إلى طهران وفتحت الأسواق وعاد إليها النشاط وكان السيد جمال في هذه الأثناء دائم النشاط وكان يخطب الخطب السياسية ويطالب بالحرية ومجلس النواب وحينما مات الملك وخلفه محمد علي ألقى السيد جمال خطبة تنصيبه في القصر الملكي ، وهكذا علا نجم السيد جمال الدين عند الناس ، ثم إنه في هذه الفترة كان يسير في خطاه في حث الناس في خطبه ومواعظه في مساجد طهران على المطالبة بالدستور والبرلمان ، وقد اضطر الملك محمد علي شاه أن يجتمع به في ( قصر قاجار ) الذي كان يبعد عن طهران عدة كيلو مترات وتباحث معه حول القضايا الهامة وحاول الملك أن يثنيه عن عزمه في حث الناس ولكن أبى الخضوع وحينما رجع من القصر الملكي إلى طهران دبرت له مؤامرة ولكنها باءت بالفشل ونتيجة للمؤامرة كسر أحد ساقيه وظل يعرج إلى آخر حياته ، وكانت هذه الحادثة قد أثارت اعتراضات بين الناس وسببت القطيعة النهائية بين السيد والملك ، واستمرت اعتراضات السيد في مساجد طهران إلى أن حدثت قضية هجوم الحرس الملكي على بناية البرلمان وتدميرها بالمدافع حيث وقعت معركة حامية بين الأحرار وقوات الحرس وكانت النهاية لصالح الجنود حيث قتل جماعة وهرب آخرون واعتقل مجموعة من النواب والأحرار . وكان ينوي السيد صبيحة يوم الهجوم أن يخطب في احدى مدارس طهران المشهورة وحينما بدأ يخطب هجم جلاوزة الملك عليه وانهالوا عليه بالضرب فتوجه إلى بناية البرلمان القريبة ولكن واجه الهجوم من قوات الحرس فهرب إلى احدى البيوت القريبة ليعد نفسه للهرب إلى النجف عن طريق همذان . وقد جمعت مجلة ( الجمال ) مجموعة تقارير حكومية حول نشاطات السيد جمال الدين كتبها جواسيس الدولة ، وقد وقفت على أعداد هذه المجلة وخلاصة ما فيها هي : في ربيع الثاني من عام 1326 هاشتد الخلاف بين الثوريين المطالبين بالحرية ومحمد علي شاه القاجاري ، فخاف الملك من البقاء في طهران فخرج منها يوم 9 جمادى الأولى [ ] 1326 وسكن ( باغ شاه ) خارج العاصمة ومع خروج الملك اشتد تازم الوضع في العاصمة وحصلت معارك بين أنصار الملك والثوار . وازداد الوضع سوءا إلى أن حسم الملك الوضع فأمر القائد الروسي ( لياخوف ) قائد قوات الحرس الروسي بتدمير عمارة البرلمان فضرب القائد في 23 شهر جمادى الأولى من عام 1326 العمارة بالمدفعية ودمرها بعد معركة دامية استمرت منذ الصباح حتى الغروب ، وقاوم النواب لعدة ساعات في بناية المجلس وحاربوا بشجاعة لكنهم انهزموا أخيرا وهربوا من البوابة الشرقية للعمارة ، ومن الفارين السيد جمال الدين وقد كان عاجزا عن الجري لاصابته في احدى رجليه فمشى قليلا في الشارع الخلفي لعمارة المسجد وكان بها منزل ميرزا حسن خان تفرشي فالتجأ إليه . وكان ميرزا حسن من المجاهدين والأحرار المثقفين وكان هو نفسه مستهدفا فخاف على مصير السيد جمال الدين ، وكان منزل أسد الله خان ( قائد المدفعية ) في جوار منزله وكان لهذا الرجل صلة قريبة وعلاقات عائلية مع العائلة المالكة ، كما أنه كان مواليا للثوار خفية ، وهكذا تمكن السيد جمال الدين وميرزا حسن خان من الهرب بعد أن عبر إلى منزله ، ولكن كانت المشكلة كيفية تهريب السيد جمال الدين إلى مدينة الري للالتجاء إلى زاوية عبد العظيم الحسني حيث كان ينوي السيد أن يمكث فترة في الري ثم يهاجر منها إلى همذان عند صديقه حاكم المدينة ثم يهاجر من هناك إلى [ العتات ] العتبات المقدسة في العراق . حيث إنه بعد الهجوم على البرلمان بدأت القوات الحكومية باعتقال النواب والثوار فكانت الطرق المؤدية إلى مدينة الري مقفلة تحرسها قوات الجيش ، ولأجل تهريب السيد دبر أسد الله خان تدبيرا حيث أمر خادمه المخلص الذي كان معروفا بعدائه للثوار والأحرار بان يهيأ عربته في منتصف الليل وألبس السيد ثيابه العسكرية وحلق جزءا من لحيته ووضع على عينيه نظارة سوداء ليخفي وجهه الحقيقي لأن السيد جمال كان في عينيه حول ، فركب السيد بهذه الهيئة والشكل العربة واتجهت به إلى مدينة الري ، وفي طريقه إلى الري اعترضت العربة قوات الدولة ولكن حينما كانوا يشاهدون فيها أحد الجنرالات وقواد الدولة كانوا يفتحون لها الطريق فوصلت العربة إلى الري سالمة حاملة معها السيد جمال الدين . وبمجرد أن وصل السيد إلى الري ركب العربة التي تنقل البريد منها إلى مدينة قم واتجه بها صوب قم . فوصلت عربة البريد إلى همذان ومعها السيد سالما فاستاجر غرفة في أحد خانات المدينة ليهيئ نفسه استعدادا للقاء حاكم همذان الذي كان صديقه منذ القدم وهو مظفر الملك ، ولكن لسوء حظ السيد فإنه كان قد رأى في عربة البريد التي اتجهت به صوب همذان حسين خادم مظفر الملك وكان حسين رأى السيد كثيرا عند مخدومه وكان يعرف حب مخدومه للسيد ، فأفشى السيد جمال الدين سر فراره للخادم وحينما وصلا إلى همذان زعم الخادم انه يحمل خبرا مفرحا لمخدومه وحينما دخل على مظفر الملك في مجلسه الذي كانت تحوطه حاشية من أركان الولاية والمناوءين للمشروطة والثوار فحينما أخبرهم حسين بالقضية وان السيد جمال الدين قد وصل إلى همذان متخفيا وبهيئة متنكرة وانه يقصد الفرار إلى العتبات فرح الجمع بأنهم أخيرا عثروا على ضالتهم وكلما حاول مظفر الملك أن يثنيهم عن عزمهم لم يتمكن ، وكان من الحاضرين في المجلس اختبار الدولة الكاشي رئيس محطة البرق ( التلغراف ) في همذان فأبرق إلى طهران بالقضية وأحاطهم علما بوصول السيد ، فجاء الجواب لمظفر الملك حيث أمره الملك في برقية باعتقال السيد وأن يقتله كيفما شاء ، وبعد وصول البرقية أجبر مظفر الملك على اعتقال السيد فبعث حسن